أحمد بن يحيى العمري
318
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
أبوه وهو غلام ، وفسّر عن لؤلؤته صدف الظلام ، حتى بلغ الاحتلام ، ويده بالخير وارتحل ، وصابر الأيام فتسترت الليالي وتبرقعت بالحجل ، فرويت آثار أياديه ، ونقلت أخبار سؤدده بألسنة أصدقائه وأعاديه ، وكان يقوم والليل لم يطمئن له جنوب ، ويروّض نفسه والروض لم يشق فيه للشقيق جيوب ، بعلم يفلح به الحجاج محتكم ، ويخرج في حربه والعجاج مرتكم . وكان له في مجاهدة النفس حروب ، ونوّب حتى حان منه للشمس غروب « 1 » . وحكي أنه لما قدمت إليه المائدة يوما فقال : أخّروها ، وكان هناك فقير جائع ، فقال في نفسه : لو كان هذا فقيرا ما أخّر المائدة . فلما حضرت تقدّم فأكل منها أكلا يسيرا ، فأكل ذلك الفقير ، وسائر الجماعة ، فلما رفعوا أيديهم قال الشيخ لخادمه : شل من هذا الخبز والطعام لفقير يأتينا في هذه الساعة ، وهو جائع ، قد أخّرنا المائدة لانتظاره ، فظنّ ظانّ فينا ظنا . فشال الخادم منها شيئا ، فقال الشيخ : زد ! ، فهذا ما يكفي . فزاد ، فقال له : زد ! ، فهذا ما يكفي . فقال له : يا سيدي ! أنت قلت : رجل واحد ، وهذا فوق كفاية الواحد ، فقال : صدقت ، هو رجل واحد ، ولكن له ثلاثة أيام لم يأكل شيئا . ثم لم يستتمّ الكلام حتى أتى الفقير ، فسلّم على الشيخ ، والجوع يتبين في وجهه ، فقدم إليه الخادم ما خبّأه له ؛ فأكله حتى أتى عليه عن آخره ، ثم قال : والله ! لي ثلاثة أيام
--> ( 1 ) أصله من أعمال إشبيلية من حصن منتوجب ، جال وساح ، وسكن بجاية مدة ، ثم سكن تلمسان ، وكان كبير الصوفية والعارفين في عصره . واشتهر حتى ملأ الآفاق ، وصار إمام الصديقين في وقته بلا شقاق . وأخذ عنه الكبراء كالعارف محيي الدين رضي الله عنه ، وقال : كان سلطان الوارثين ، ومكث في بيته سنة لا يخرج ، فاجتمع الناس ببابه ، يسألوه أن يتكلم عليهم ، وألزموه ، فخرج ، ففرّت منه عصافير على سدرة بداره ، فرجع وقال : لو صلحت للحديث عليكم ما فرّ مني الطير ولا الوحش . فقعد عاما فأتوه ، فخرج فلم تفرّ منه ، فتكلّم عليهم ، وترك الطير تضرب بأجنحتها ، وتصفّق حتى مات بها كثير ، ومات رجل ممن حضر . وكان الشيخ أميا ، وعلوم الأمّيّ تأتي خالية من الإشكال ، قال العارف بالله سيدي محيي الدين بن عربي : كان حال لوقته التجريد ، وعدم الاختيار . انظر : " الكواكب الدرية 2 / 238 " . وذكره أبو عبد الله الأبار ، ولم يؤرّخ له موتا ، وقال : كان من أهل العمل والاجتهاد ، منقطع القرين في العبادة والنسك . قال : وتوفي بتلمسان في نحو التسعين وخمسمائة ، وكان آخر كلامه : " الله الحي " ، ثم فاضت نفسه .